35 C
Riyadh
Monday, April 12, 2021

ملتقى نهري دجلة والفرات: “البصرة” بلا ماء صالح للشرب

Must read


أزهر الربيعي

محطة ماء مشروع العباس في محافظة البصرة. تصوير: أزهر الربيعي

صرّح النائب الأول لمحافظ البصرة (جنوب العراق) محمد طاهر، لوسائل الإعلام المحلية في 29 آب 2018، أن البصرة تعد “مدينة منكوبة” بسبب إرتفاع نسبة ملوحة مياه شط العرب، والتي بسببها دخل ما لا يقل عن 118 ألف شخص المستشفيات يشكون من أعراض حددها الأطباء على أنها مرتبطة بنوعيةِ مياهِ الشرب، بسببِ المعادنِ السامة الموجودة في مياهِ الصرفِ الصحي، والتلوث الزراعي ومخلفات الأنشطة الصناعية، إضافة إلى ملوحة المياه، فيما لم تنشر السلطات المحلية والمركزية أي نتائج للتحقيق بالأزمة. و عندما تحدثنا مع خبراء في مجال البيئة في البصرة فضّلوا عدم كشف هويتهم لأسباب تتعلق بسلامتهم الشخصية، قالوا بأن أحد أسباب إرتفاع ملوحة وتلوث مياه شط العرب هو تصريح مياه البزل الإيرانية إلى مصبات الشط.

مدينة البصرة، التي كانت تسمى يوما ما بـ”فينيسيا الشرق”، مرّت في أزمة مياه فشلت الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول ناجعة لها، مما جعلها المطلب الذي إنطلقت منه تظاهرات صيف 2018. أزمة المياه في البصرة تدفع الأهالي إلى تحمل أعباء عيش إضافية لتوفير مياه الشرب، ما يضطر المواطنون لدفع آلاف الدنانير لقاء حصولهم على مياه الشرب من مركبات بيع الماء الجوّالة أو من المحال التجارية التي تبيع الماء المُحلى، أو كما يسميه العراقيين بـ ماء RO. فيما يعتمد ذوو الدخل المحدود كلياً على مياه الصنبور في الشرب والاستحمام والطبخ والغسل المنزلي، ويعيش هؤلاء في المناطق الفقيرة والعشوائيات.

يشتري المواطنون الماء من مركبات بيع الماء الجوّالة في الشوارع بشكل يومي، ويحرص كثير من الأهالي على وضع خزان الماء بسعة طن أو طنين (إعتماداً على حاجة العائلة واستهلاكهم)، فيما يشتري ميسورو الحال قناني الماء المعبأة من محطات المياه الخاصة، على سبيل المثال، يبلغ سعر صندوق الماء (24 قنينة) قرابة 2000 دينار عراقي (1.37$).

في منطقة المعقل، مركز مدينة البصرة قابلنا عدنان خضير، 64 عاماً، وقال: “مع شديد الأسف نحن نعيش في مدينة غنيّة بالنفط ونشتري ماء الشرب، واحدة من أبسط الحقوق التي حرمنا منها في بلدنا”، يشتري خضير كل سبعة أيام تقريباً، طن واحد من الماء بمبلغ قدره 8000 دينار (5.48$). ومع إرتفاع مستويات خط الفقر في العراق، أصبح شراء كميات المياه أمراً غير متاح للجميع، فيقول عبد الزهرة الهنداوي، وهو المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية في تصريح صحفي، أن نسبة الفقر في البلاد وصلت إلى 32% عام 2020، وأرجع هذا الإرتفاع إلى انتشار جائحة كورونا، فيما كانت نسبة الفقر قبل الجائحة 20%. وبكل تأكيد إن إرتفاع مستوى الفقر يقلل من فرص الحصول على مياه الشرب لجميع المواطنين. لذا، يستمر عدد ليس بقليل من الأهالي في استخدام مياه الصنبور القادمة من شبكات المياه الوطنية للشرب والاستخدام المنزلي. “لسوء الحظ، إن الماء الذي يصل إلى المنزل غير صالح للشرب، ولا يمكننا تصفيته مما نضطر إلى شراء الماء، وهو الأسلوب الذي نتبعه منذ 2003” يقول خضير، ويضيف: “نحن ندفع فاتورة الماء غير النقي الذي يصل إلينا أموالًا كثيرة كل شهرين، ندفع ما يساوي 20-30 ألف دينار عراقي (13.7$20.5$). و يكمل خضير “في عام 2018 تظاهرنا وطالبنا بتحسين نوعية المياه ولكن لم تلق أصواتنا آذاناً صاغية”.

مركبة بيع الماء الجوّالة في أحد شوارع البصرة. تصوير: أزهر الربيعي

تصل خطوط نقل المياه الوطنية إلى 85% من سكان البصرة البالغ عددهم 3.1 مليون نسمة، و 95% منها تصل إلى مركز المدينة، أي الى حوالي 1.3 مليون نسمة، وفقاً لمسؤول في دائرة ماء البصرة. في دراسة منشورة للدكتور نذير الأنصاري، الأستاذ في جامعة لوليا للتكنولوجيا في السويد يحذّر فيها أن العراق يواجه تحدياً خطيراً في نقص المياه، ومن المتوقع أن تزداد المشكلة في المستقبل بعد توقع جفاف نهري دجلة والفرات تماماً بحلول عام 2040، لذا أوصت الدراسة بضرورة إيجاد حلول سريعة من قبل الحكومة العراقية، منها التباحث والتنسيق الإقليمي مع دول المنبع (تركيا وإيران).

علاوة على ذلك، ثمة عوامل وراء أزمة المياه في العراق، ومنها التغيرات المناخية المتمثلة بقلة سقوط الأمطار وجفاف الأنهار وزيادة نسبة الأراضي الزراعية في الآونة الأخيرة، ما يؤثر سلباً على واردات المياه من النهرين، أيضا إقامة السدود من قبل تركيا وإيران أثرت وبشكل واضح على وضع العراق المائي.

تعاني بعض المناطق من ضعف شبكات نقل المياه الواصلة إليها، ومنها ناحية أم قصر (65 كم) جنوب البصرة، واحدة من المناطق التي لا يصل إليها الماء بشكل كافٍ، تحدثنا مع أحمد جلاب، 36 عاماً، وقال بأن الناحية يصل إليها الماء بصورة متقطعة منذ سبعينيات القرن الماضي. يسكن ناحية أم قصر قرابة 65 ألف نسمة، يعتمدون بشكل رئيسي على شراء المياه من السيارات الجوّالة، يقول جلاب: “نحن نعتمد بشكل أساسي على مصدر المياه التي نشتريها باستمرار، وهذا مكلف بالنسبة لنا، كل 3 أيام أشتري 3 طن من الماء بسعر 10000 دينار (6.84$)، سعر الماء في أم قصر أرخص من بقية مناطق البصرة وذلك بسبب كثرة الطلب على الماء هنا”. في أم قصر، تعتمد دائرة الماء نظام “المراشنة” من خلال تخصيص يوم معين لكل منطقة، ويقوم الناس بخزن المياه في خزانات المياه الكبيرة ليستخدموها في الأوقات التي لا يصل إليهم الماء، وفي أغلب الأحيان لا تكفيهم الكميات المخزونة مما يضطرون لشراء الماء.

مواطن يقوم بتعبئة خزان المياه بالماء المُحلى في مركز محافظة البصرة. تصوير: أزهر الربيعي

لم تستبدل وزارة البلديات شبكة الماء القديمة منذ عام  1989، إضافة إلى التجاوزعلى شبكات المياه وإقامة المشاريع والمصانع على طريق ممرات أنابيب المياه، ما سبب بحرمان مناطق كاملة من المياه. الفساد المالي والإداري الذي نخر جسد الحكومة العراقية منذ عام 2003 وحتى اليوم، كان عاملاً رئيسياً في عدم إقامة مشاريع استراتيجية لحل أزمة المياه في العراق، وخصوصاً مدينة البصرة. فيما يرى بعض المواطنين  ضرورة إقامة محطات تصفية المياه على البحر كما تفعلها دول الخليج. يقول جلاب “نستخدم المياه التي نشتريها لأغراض متعددة، منها الشرب والغسل والاستحمام وبقية الأمور المنزلية” ، ويضيف: “نطلب من الحكومة المحلية بإنشاء محطات تصفية مياه على البحر كما تفعلها دول الخليج، من المحزن جداً أن منطقتها تقع على البحر ولدينا مصدر للمياه ونحن نعاني لكي نحصل على قطرة مياه نظيفة”.

مع وجود تلكأ وبطئ في تحسين خدمات الماء في محافظة البصرة، يخشى مراقبون وناشطون من عودة أزمة الماء لعام 2018 إلى الساحة من جديد، وأن تتسبب بإحتجاجات تطالب بالماء النقي والخدمات الأخرى التي طالب بها العراقيون منذ قدح أول شرارة للتظاهرات عام 2011.

Print Friendly, PDF & Email

- Advertisement -

More articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

Latest article