38 C
Riyadh
Sunday, June 13, 2021

مطلب البصرة بإقامة الإقليم أو الاستقلال في ظل أزمة الحكم المحلي فيها

Must read


عمر الجفّال وصفاء خلف

أنصار التطلعات الإقليمية للبصرة يرفعون العلم الجديد عالياً خلال مظاهرات عام 2015. المصدر: المربد

منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة وحتّى الآن، يترجم غضب سكّان البصرة حيال وضع المحافظة المتردي على مستويين، أولاً الحلم بإقامة دولة أو إقليم، وثانياً السعي لإقامة حكم محلي غير مركزي لإدارة الاقتصاد وتحسين واقع المدينة. وكانت التظاهرات الشعبية التي تصاعدت في السنوات الأخيرة قد أحيت مطلب حلم البصرة بالتحوّل إلى دولة أو إقليم لما يحمله هذا الشأن من أهميّة لتصوّر السكّان عن الحكم المحلي ومنفعته المباشرة لتحسين الخدمات والأمن والاستثمار.

تاريخياً، كانت البصرة ولاية ضمن الولايات العثمانية الثلاث الأبرز في منطقة ما بين النهرين إلى جانب ولايتي بغداد والموصل. وبسطت البصرة نفوذها كولاية على مناطق واسعة من الخليج العربي بلغت حتى دولة البحرين حالياً، وعقب انهيار الامبراطورية التركية، سيطرت بريطانيا على عموم العراق عبر احتلال البصرة في العام 1914، لكنه كان من جلياً أنه لن يتم تسليمها لسكانها المحليين. عقب فرض الانتداب البريطاني على الأجزاء التي أعلنت كدولة في العراق، كان أعيان البصرة والوجهاء والمشايخ يطمحون إلى انفصال البصرة عن العراق وإعلانها دولة أو مملكة أو أن تختار بريطانيا ملكاً عراقياً من العائلات البصرية، لكن الرد البريطاني لهذا التمرد المبكر جاء بقمع تلك الطموحات عسكرياً بقصف منازل الأعيان المعترضين ونفيهم. كرّرت نخب البصرة عام 1928 محاولة الحصول على حق إقامة إقليم ذات صلاحيات واسعة ضمن دولة العراق. وكانت النخب هذه المرّة مدفوعة بتأييد شعبي، جاء نتيجة لتدنّي الخدمات في المحافظة، إلا أن مساعي النخب والسكان باءت بالفشل مرّة أخرى نتيجة لرفض السلطات في بغداد لهذه المطالب.

لم تتح الظروف السياسية للبصرة، منذ الحكم الملكي في العراق في العشرينيات وحتّى سقوط نظام صدّام حسين عام 2003، بالانفصال أو بإرساء نمط للحكم الذاتي أو بتولي أحّد أعيانها الحكم. إذ أن جميع الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق كانت شديدة المركزية، على الرغم من إقرار تلك الأنظمة دساتير أشارت، ضمناً، إلى إمكانية تطبيق الإدارة اللامركزية مثل الدستور المؤقت لعام 1970، ومشروع دستور جمهورية العراق لعام 1199. كما وأنه وجرّاء الحروب التي كانت أرض البصرة ملعباً أساسياً لها، حرب الثمان سنوات مع إيران (1980-1988)، حرب الخليج الثانية (1990-1991)، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، نسيت البصرة وسكّانها الانفصال أو الحكم الذاتي واسع الصلاحيات ولم يعد هذا الحلم سوى طيفاً من الماضي.

بيد أن تشكيل النظام السياسي الجديد بعد الغزو الأميركي للعراق حرّك حلم تحويل البصرة إلى إقليم، وإن لم يكن في بعض الأحيان من قبل الأعيان أو الوجاهات السياسيّة المنحدرة من البصرة. فقد أُطلق العنان لتبني نظام فيدرالي من قبل القوى المُشكلة للنظام الجديد بعد 2003 بناءً على اتفاقات قوى المعارضة، وثُبِتَ كحق بتحول أية محافظة أو أكثر إلى إقليم في الدستور العراقي، وطيلة أعوام كانت المناقشات تدور بين بغداد والبصرة ومدن جنوبية لتطبيق التحول إلى “فيدرالية جنوبية“، وذلك بالاستفادة من تجربة اقليم كردستان.

شهد العام 2008 أولى محاولات البصرة العملية بالتحوُّل الى إقليم طبقاً لخطوات قانونية دفع بها محافظها الأسبق وائل عبد اللطيف وبدعم من حزب الفضيلة الاسلامي الذي كان يسيطر على مجلس المحافظة. لكن الاستفتاء فشل بعد أن أخفق الناخبون بتأييد الفكرة بالنسبة المُقرة قانوناً، فيما اتهم الداعون للإقليم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بعرقلة تيسير الاستفتاء باعاقة قدرة الناخب على الوصول إلى مراكز الاقتراع.

شعر البصريون انهم يواجهون قوة رفض صارمة من بغداد لمنع قيام إقليم في منبع النفط العراقي، فبغداد تخشى أن تفلت البصرة من الحكم المركزي تحت أي شكل أو مُسمى، لما يُشكله ذلك من تهديد جدي لموارد العراق المالية المعتمدة على نفط البصرة وموانئها في تصدير الخام المستخرج من أراضيها.

على الرغم من هذا الرفض المتنامي، أعاد البصريون المحاولة مجدداً في العام 2010، حين قدم 16 عضواً من مجلس محافظة البصرة طلباً إلى مجلس الوزراء لإجراء استفتاء شعبي كمرحلة أولى لإقامة إقليم البصرة، لكن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي تجاهل طلبهم ولم يتلقوا أي رد رسمي. ومع بروز مطالب بتقسيم البصرة وشطرها إلى محافظتين أو أكثر، تكررت الدعوة إلى إقامة الإقليم مجدداً في العام 2011، لكنها كانت آنذاك ليست أكثر من محاولة استغلال سياسي ومزايدات بين أطراف متصارعة داخل البصرة.

انطلقت أواخر العام 2014 “الحملة الشعبية لتكوين إقليم البصرة“، ونجحت تلك الحملة، بعد أشهر، بتلقي رد رسمي، حين تقدمت مجدداً إلى مفوضية العليا للانتخابات لإجراء استفتاء يتيح للبصرة التحوّل إلى إقليم. بدت الحملة الجديدة أكثر تنظيماً وذات قاعدة شعبية وحراك شبابي داعم ميدانياً وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كما وظهر “علم إقليم البصرة“.

لكن الحكومة الاتحادية أهملت الرَدّ على طلب الاستفتاء مجدداً مستغلة الانقسام السياسي والشعبي محلياً واتحادياً، بين معارضي التحول إلى إقليم ومناصريه في ظل إقرار قانون “البصرة عاصمة اقتصادية للعراق” الذي حظي، بعض الشيء، بنظرة إيجابية لدى السكّان. عليه، فقد أصاب دعوة البصرة إلى الأقلمة خلال تلك الفترة الفتور والتراجع بفعل التصعيد بين بغداد وإقليم كردستان نتيجة قرار الأخير إجراء استفتاء للانفصال عن العراق.

ومع بدء شرارة الاحتجاجات في تموز/ يوليو 2018، قدم مجلس محافظة البصرة طلباً لتحويل البصرة إلى إقليم. وبعد مضي عام، قرر مجلس محافظة البصرة في جلسة استثنائية تحويل المحافظة إلى إقليم، على أمل ان يُجرى الاستفتاء أواخر العام نفسه، وذلك لتجاوز حالة الإحباط واليأس التي خلفتها موجة الاحتجاجات في البصرة وفشل تحقق مطالب المتظاهرين الذين قوبلوا بالقمع. وفُسر قرار مجلس المحافظة بصدد اقامة الإقليم كاجراء لـ”التنفيس” عن غضب المحتجين وللتعبير عن سخط المسؤولين المحليين على الحكومة الاتحادية ولكسب ثقة السكان عبر إعلانه عن موقف أكثر حزماً بشأن اعلان الإقليم، كما وعد بـ”سجن المسؤولين في بغداد، لو استمروا بتجاهل مطلب إقامة إقليم في الجنوب“.

إلا أنه سرعان ما ووجه اعلان مجلس البصرة برفض من جهات سياسية ودينية واسعة، حذرت من مخاطر تشكيل الأقاليم وأنها “وسيلة للسرقة والإمعان في الفساد” بتعبير زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، كما  ادعى رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي أن هناك “سوء تخطيط وادارة وهدر للمال [في البصرة] لا يمكن أن يحلّه التحول إلى إقليم”. كما ادعى المكتب السياسي لميليشيا عصائب أهل الحق أن “المطلب يقف وراءه دعم مخابراتي دولي” وفق تعبير أحد أعضائه. لكن مجلس البصرة لم يتراجع مقابل كل هذا النقد عن المضي قدماً بمخاطبة حكومة عادل عبد المهدي لإجراء الاستفتاء، بيد أن بغداد كانت غارقة بمشكلات أكثر تعقيداً.

وفي العام 2019 قامت حكومة عبد المهدي بوأد حراك تحوّل البصرة إلى إقليم، ليس فقط بتأكيد رفضها مرة أخرى وإنما بمنح الحكومة المحليّة ومجلس المحافظة في البصرة موازنة ضخمة من أجل نسيان فكرة الإقليم وانهائها بشكل كامل. وأثناء الاحتجاجات الحاشدة صيف 2020، بقيت أصواتاً تطالب بإنشاء إقليم البصرة، لكنها بدت أقلّ حدّة وأقل تأثيراً من السابق، فضلاً عن أنّها غير مُسندة بمسوّغ قانوني بعد قرار البرلمان الاتحادي بحل مجالس المحافظات.

أما الرأي العام الشعبي في البصرة حيال فكرة إقامة الإقليم فما تزال تحظى بشعبية واسعة، إذ أظهرت نتائج الاستبيان الذي أعددناه في العام 2019 كجزء من مشروعنا حول أزمة الحكم المحلي في محافظة البصرة، أن 43 بالمئة من المشاركين في عينة الاستبيان يرون أنه من الأمثل تحويل البصرة إلى إقليم مشابه لإقليم كردستان، فيما يجد 37 بالمئة أنه من الأفضل أن تمتع البصرة بحكم لا مركزي إداري مع صلاحيات أوسع دون الذهاب الى تشكيل إقليم، أما الإجابة عن فكرة الانضمام إلى إقليم مع المحافظات الجنوبية فكانت ستة بالمئة، وأيّد فكرة الانفصال عن العراق وتأسيس دولة مستقلة ستة بالمئة.

وبالأخذ بعين الاعتبار عدم رضى السكان عن وضع البصرة كمدينة صالحة للعيش وعن الغموض الذي يلف مستقبلها، فيبدو أن نتائج الاستبيان تعكس إلى حدّ كبير ما يراه السكان بأن من شأن الاقليم كنظام حكم أن يمكنهم من حل الأزمات الخدميّة المتراكمة، وعلى رأسها الخدمات الأساسية المهملة. وقد يكون أبرز ما تعكسه هذه النتائج أن أكثر ما ينقص السكان هو تمثيل لائق على مستوى محلي وإدارة تمكنهم من تسيير أمورهم ومدينتهم. وعلى الرغم من الميزانية الضخمة التي حصلت عليها دوائر السلطة المحلية العام الماضي، يبقى السؤال فيما إذا كانت مسألة الإدارة السليمة والتمثيل اللائق التي يُطالب بها السكان من شأنها أن تُحّل من خلال الميزانيات لوحدها، أم يبقى نظام ومبنى الحكم المحلي في العراق العائق الأساسي في تقدمها.

[This piece is available in English here.]

Print Friendly, PDF & Email



- Advertisement -

More articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

Latest article