31.1 C
Riyadh
Saturday, July 31, 2021

قلب الموازين: كيف انتصرت تركيا في الحرب من أجل طرابلس

Must read


نشرت تركيا على الأقل بطارية واحدة، وربما بطاريتين فيما بعد، للمدفعية الثقيلة من طراز T-155 Fırtına من عيار 155 ملم مع ذخيرة واسعة النطاق دقيقة التوجيه وقاذفات صواريخ من طراز T-122 Sakarya. ومن خلال الدعم الذي يقدمه رادار تحديد مواقع الأسلحة، كانت مهمة هذه الأنظمة الأولى هي قمع وتدمير قدرات مدفعية الجيش الوطني الليبي. وتم تصميم رادار تحديد مواقع الأسلحة لاكتشاف وتعقب قذائف الهاون والمدفعية والصواريخ التي يتم إطلاقها لتحديد مصدرها والرد بنيران البطارية المضادة في غضون 30-60 ثانية.

فوجئ الجيش الوطني الليبي بهذه التحولات السريعة في ديناميكيات المعركة. وبعد تكبده بعض الخسائر الفادحة، أعاد الجيش الوطني الليبي اثنين من مدافع الهاون ذاتية الدفع القديمة من مخزونات الجيش في عهد القذافي من طراز 2S1  من عيار 122 ملم و2S3  من عيار 152 ملم، ربما بمساعدة بعض خبراء الإصلاح والصيانة من مجموعة فاغنر. وكانت البطاريات المجهزة بهذه الأسلحة قادرة في البداية على التحرك إلى موقعها، وإطلاق وابل سريع من حوالي خمس أو ست قذائف، ومغادرة الموقع قبل التعرض للنيران المضادة. ورغم نجاح هذا التكتيك لبعض الوقت في أوائل ربيع عام 2020، فإن الطائرات بدون طيار القتالية قامت في نهاية المطاف بتعقب وتعطيل معظم أسلحة الجيش الوطني الليبي.

ظل التفوق الجوي العامل المهيمن في تحديد نتيجة معظم العمليات العسكرية على الساحة الليبية. ولعبت الطائرات بدون طيار القتالية التركية دورًا رئيسيًا في ساحة المعركة. فطائرة Bayraktar TB2 هي طائرة بدون طيار تزن 630 كغم مع حمولة أسلحة تزن 55 كغم فقط (أي صواريخ وقنابل خفيفة للغاية)، ويتم التحكم فيها بواسطة محطة تحكم أرضية عبر وصلة بيانات خط التسديد. ونظرا لمداها المحدود الذي يصل إلى 150 كيلومترًا، فقد تم تكميل طائرات TB2s بطائرات بدون طيار من طراز Anka-S من صناعة الشركة التركية لصناعات الفضاء، والتي يتم تشغيلها من خلال الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وبالتالي لديها نطاق أوسع قادر على تغطية ليبيا بأكملها ونقل حمولة مقدارها 200 كغم5. وتم استخدام طائرات Anka-S بشكل أساسي لتعقب القوافل اللوجستية للجيش الوطني الليبي القادمة من سبها أو الجفرة، في مناطق فزان أو الصحراء الوسطى على التوالي ، والمتجهة إلى ضواحي طرابلس.

بالفعل في عام 2019، تم استخدام الطائرات بدون طيار المصغرة من قبل الجانبين لاستطلاع ساحة المعركة ومراقبة نيران المدفعية. لكن معظمها كان من النماذج التجارية، والتي ثبت أنها غير موثوقة ويسهل التشويش عليها نسبيًا. ومنذ يناير 2020 وما بعد، سلمت تركيا عددًا متزايدًا من النماذج العسكرية إلى عملية بركان الغضب. وقد ثبت أنها مقاومة إلى حد كبير لأساليب التشويش التجارية والعسكرية من طرف الإمارات وروسيا والصين، مما سمح لأجهزة التشويش التركية الأكثر تطورًا بالعمل بحرية ومواجهة الطائرات بدون طيار المصغرة التابعة للجيش الوطني الليبي. وساهمت هذه الديناميكية المتمثلة في زيادة التشويش التركي على الطائرات بدون طيار المصغرة الإماراتية بشكل كبير في زيادة معرفة واطلاع عملية بركان الغضب على الظروف المحيطة وتعزيز فعالية نيران المدفعية، وفي الوقت نفسه القضاء ببطء على قدرات الجيش الوطني الليبي.

قلب الموازين


تم تسليم عدة عشرات من طائرات TB2 وعدد قليل من طائرات Anka-S إلى ليبيا، ويفترض أنه قد تم تشغيلها حصريًا من قبل متخصصين أتراك. في البداية، تم إسقاط بعضها بواسطة أنظمة المدفعية المضادة للطائرات وصواريخ أرض جو Pantsir S-1 ذاتية الدفع روسية الصنع التي قدمتها الإمارات، ولكن مع مرور الوقت، تمكنت تركيا من مواجهة هذا التهديد بنجاح من خلال الاعتماد على قدرات التشويش التي أصبحت غير متكافئة الآن. وحددت أنظمة KORAL للحرب الإلكترونية بعيدة المدى  رادارات أنظمة Pantsir وقامت إما بتشويشها للسماح بهجوم لاحق بطائرات بدون طيار قتالية أو حددت بشكل استباقي أنظمة Pantsir لإتاحة الفرصة تدميرها بمدفعية دقيقة طويلة المدى من على مسافة تقارب 50 كم.

من بين جميع التطورات المذكورة أعلاه، كان التغلب على أنظمة Pantsir من أهمها. ففي مايو 2020، قام مشغلو أنظمة Pantsir (بعضهم من أفراد مجموعة فاغنر) بتغيير تكتيكاتهم باستخدام أنظمتهم في الغالب في الوضع الكهروضوئي السلبي، الأمر الذي قلل احتمالية التشويش عليها بواسطة نظام KORAL أو كشفها وتدميرها بواسطة المدفعية. ونتيجة لذلك، تم إسقاط العديد من الطائرات بدون طيار المقاتلة التركية بعد ذلك، ولكن كان الوقت قد فات بالفعل ليكون لها تأثير حقيقي على ديناميكيات المعركة. وتم إخراج ما تبقى من أنظمة Pantsir من العمل أو الاستيلاء عليها أو اعتبارها غير هامة من قبل القوات البرية المتقدمة لعملية بركان الغضب.

بعد تحييد سلاح الجو التابع للجيش الوطني الليبي ثم التدمير اللاحق لقدرته على الاستخدام الفعال للبطاريات المضادة للطائرات، هيأت تكتيكات حرب الاستنزاف التي اتبعتها تركيا وحكومة الوفاق الوطني وعملية بركان الغضب الظروف للمرحلة الأخيرة من خطة المعركة، وهي كسر حصار جنوب طرابلس وطرد قوات حفتر المتبقية من إقليم طرابلس. ولم يشارك السوريون في التقدم السريع على طول الساحل باتجاه تونس للاستيلاء على صبراتة وصرمان (القواعد البرية السابقة للجيش الوطني الليبي) في أبريل، ولا احتلال قاعدة الوطية الجوية (التي كان يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي سابقًا) في مايو، ولا في معركة ترهونة في يونيو (معقل أهم حلفاء الجيش الوطني الليبي في غرب ليبيا). وأدت هذه التحركات مجتمعة إلى إسدال الستارة على الحرب من أجل طرابلس.

سقطت صبراتة وصرمان والوطية وترهونة جميعًا دون وقوع إصابات كبيرة. ومع التفوق الجوي وتعرض دفاعات الجيش الوطني الليبي للقصف المدفعي أو الجوي المستمر، هرب عناصر الجيش الوطني الليبي ببساطة في استمرار لنمط ميز الحرب الليبية منذ عام 2011.

 

الاستنتاج: الطريقة الليبية الفريدة في الحرب والملاحظات العسكرية القابلة للتعميم


لقد أظهرنا أن الحصيلة النهائية للحرب على طرابلس لم تتشكل ملامحها بشكل كبير بمساهمات المرتزقة الروس أو السوريين أو غيرهم. فقدرة القوات البرية الليبية أو المرتزقة على احتلال الأراضي أو استعادة السيطرة عليها كانت ممكنة فقط بتحقيق الهيمنة الجوية قبل ذلك. وقد يُفهم هذا على أنه نابع جزئيًا من الطريقة الليبية الفريدة في الحرب، والتي ظهرت طوال حروب خلافة ما بعد القذافي بأنها تسعى بشدة لتجنب وقوع الضحايا (مع بعض الاستثناءات المتمثلة في تجاهل الضحايا المدنيين) وعادة ما تنطوي على رتل من القوات التي تتقدم في شاحنات صغيرة ثم تتراجع بسرعة في حالة من الفوضى عندما يتم تطويقها أو تتعرض لإطلاق النار، أو حتى قبل إطلاق أي نيران من الخصم أو حدوث أي مناورة أرضية، إذا رأوا أن العدو يتفوق عليهم من حيث التسليح أو الهيمنة الجوية. ويعد التحكم في الأجزاء الرئيسية من البنية التحتية للنقل – الطرق السريعة والمطارات ومفترقات الطرق الاستراتيجي – أمرًا ضروريًا لهذا النوع من الحرب ولا يمكن السيطرة على هذه المواقع ضد عدو يمكنه فرض تفوق جوي على المفاصل الرئيسية للبنية التحتية للنقل وبالتالي إجبار قوات الخصم على الأرض على الهروب.

خلال عام 2019، أتاحت طريقة الحرب الليبية هذه للجيش الوطني الليبي تحقيق مكاسب معينة حول جنوب طرابلس بسبب تفوقه الجوي. ثم ابتداءً من منتصف يناير 2020 وما بعد ذلك، تباينت مستويات القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة بسرعة. وكانت المستويات المتزايدة باستمرار لقدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع التركية وقدرات القوة الجوية هي العناصر الحاسمة في حرب استنزاف غير متكافئة. ومنذ شهر مارس، كان من الواضح أن الجيش الوطني الليبي سيهزم في النهاية، إذا لم يتلق على الفور دعمًا خارجيًا كبيرًا للقضاء على الدفاعات الجوية التركية التي أوقفت قدراته الجوية. لذلك، ومع تزايد التفوق الجوي التركي وتدميره لمواقع الجيش الوطني الليبي وعدم زيادة الدعم المقدم للجيش الوطني الليبي بشكل كبير، كان من المحتم أيضًا أن يتراجع المقاتلون في صفوف الجيش الوطني الليبي في النهاية إلى شرق ليبيا.

وكان المرشحون الثلاثة المحتملون لتزويد الجيش الوطني الليبي بالقدرات المطلوبة هم مصر وروسيا والإمارات. لكن مصر لم تكن راضية عن طموح حفتر بالاستيلاء على طرابلس بالقوة. وكانت تدرك أيضًا أن الجزائر لن تقبل أبدًا باشتباك عسكري مفتوح في إقليم طرابلس وأن أي محاولات لذلك ستؤدي على الأرجح إلى رد. لذلك لم يتحقق التدخل المصري المباشر. وتتمثل المصالح الأمنية الحيوية لمصر في ليبيا في إبعاد القوات التركية والميليشيات الإسلامية الليبية المارقة عن الحدود المصرية، بشكل خاص، وتعطيل قدرتها على العمل في برقة بشكل عام. ولم تكن القاهرة بحاجة إلى انتصار حفتر في الحرب من أجل طرابلس لتلبية هذه المتطلبات. وقد تم التعبير عن ذلك بشكل فعلي من خلال إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عن “خط أحمر” حول سرت – وأن تجاوزه من قبل تركيا أو الميليشيات الليبية التابعة لها، سيؤدي ذلك إلى تدخل مصري حاسم.

كانت أهداف روسيا في ليبيا هي تعزيز مكانتها الإقليمية كميسر دبلوماسي، والحصول على عقود إنشاء البنية التحتية وتحصيل مدفوعات متأخرة وتقويض الهيمنة الغربية والأمريكية على نطاق أوسع مع تعزيز أشكال انعدام الأمن التي توقف إنتاج النفط الخام. وقد اتبعت موسكو نهجا تقليديا في ذلك من خلال استراتيجية مشاركة مزدوجة، حيث دعمت في المقام الأول الجيش الوطني الليبي، لكنها حاولت التوفيق جزئيًا بين حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي من خلال وزارتي الخارجية والدفاع على التوالي. ومع ذلك، في وقت ما من عام 2019، تم التخلي مؤقتًا عن هذا التوازن، وألقت موسكو بثقلها وراء هجوم حفتر على الرغم من عدم استشارته لها في قرار إطلاق هذا الهجوم.

وبالرغم من هذا التطور، فمن المهم التأكيد على أن دعم روسيا لحفتر عادة ما يكون مبالغًا فيه. فقد ساعدته موسكو في الحصول على سيطرة أكبر على المناطق ورفعت من مكانته فقط بالقدر الذي اعتقد الروس أنه سيوفر لهم نفوذًا كافياً وفرصة للتحكيم في تسوية تفاوضية، وليس لأنهم يؤمنون بأنه سيحقق نصرًا عسكريًا صريحًا. فالروس لا يؤيدون حفتر دون قيد أو شرط طمعا في التحالف مع حفتر بحد ذاته، ولكن من منطلق الرغبة في تحقيق هيمنتهم على «ملف ليبيا» ، للتوسط في حل يناسبهم. وبالنسبة لروسيا، فإن دعمها لهجوم حفتر على طرابلس كان منخفض التكلفة مالياً وسياسياً: فلم تفرض الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي عقوبات انتقامية خصوصا كرد على الإجراءات الروسية في ليبيا، في حين أن مرتزقة مجموعة فاغنر الذين نشرتهم فإن الإمارات على الأرجح هي من تحمل أجورهم واستخدمتهم روسيا كأداة جيوسياسيةيمكنها أن تحافظ على قدر ضئيل من إنكار موسكو المعقول لتدخلها في الشأن الليبي.

بالنسبة للإماراتيين، كانت الحسابات مختلفة قليلاً. فقد كانوا أقل اهتمامًا من المصريين أو الروس بالنتائج الاستراتيجية أو المالية أو الأمنية. وكانت رغبتهم أكثر أيديولوجية وطويلة الأمد وهي منع نشوء دولة ليبية فوضوية- ربما دولة إسلامية أو ديمقراطية – يمكن أن يكون لها آثار ممتدة على المنطقة بأكملها. فالإمارات في الأساس لاعب يحب الوضع الراهن ولا يحتاج إلى قلب النظام الحالي بل إلى الحفاظ على مكانته العالمية كلاعب يحظى بالاحترام ويرتبط بعلاقات مالية ودبلوماسية مع جميع القوى العالمية الكبرى. والتصعيد العسكري العلني في ليبيا لمواجهة تركيا كان من شأنه أن يضع الإمارات في مصافي الدولة المارقة.

على النقيض من ذلك، كانت المصالح التركية في غرب ليبيا ذات طبيعة وجودية أكثر بكثير من المصالح الروسية أو المصرية أو حتى الإماراتية. ففي ظل عزلة متزايد في شرق البحر الأبيض المتوسط واقتصاد متراجع، وفرت الساحة الليبية للمخططين الاستراتيجيين الأتراك القدرة على إنعاش مواقعهم الجيوستراتيجية بمفردهم، مع احتمال تقديم مزايا اقتصادية كبيرة على المدى المتوسط في شكل مدفوعات متأخرة بعشرات المليارات من الدولارات من عقود البناء، والاكتشافات المحتملة للغاز في شرق المتوسط، والحفاظ على علاقة فريدة طويلة الأمد مع مصرف ليبيا المركزي، مما يجعل إسطنبول المركز الرئيسي لمجموعة كاملة من الخدمات المالية المشروعة وغير المشروعة المرتبطة بالاقتصاد الليبي.

بسبب مصالحهم غير المتكافئة في غرب ليبيا، قرر الأتراك تقديم قدرات عسكرية غير متكافئة. فكدولة تابعة لحلف الناتو تتمتع بسنوات من الخبرة في تدريب وتنظيم الميليشيات السورية وتوفير الدفاعات الجوية ضد نظام الأسد المدعوم من روسيا، تمتلك تركيا القدرات التقنية والاستراتيجية المطلوبة. وعند النظر إلى الوضع برمته، فإن نجاح تركيا في تحطيم التفوق الجوي السابق للجيش الوطني الليبي يقدم بعض الدروس الواضحة للصراعات العالمية الأخرى في عشرينيات القرن الحالي:

 

  1. لم تعد المعايير الدولية ولا حتى قرارات الأمم المتحدة قادرة على منع الإدخال غير المقيد لأنظمة الأسلحة المتطورة وللخبراء في حروب أهلية كانت سابقا متدنية الحدة ومتدنية التقنية.
  2. عندما يميل أطراف الصراع على وجه الخصوص إلى تجنب وقوع الضحايا أو يقاتلون في مساحات مفتوحة إلى حد كبير من التضاريس شبه الصحراوية، يمكن أن يوفر التفوق الجوي العامل الحاسم في الحروب الأهلية المعاصرة متدنية الحدة.
  3. من غير المرجح أن تكسب قوات المرتزقة البرية حروبا أهلية في الحالات التي يفتقر فيها السكان المحليون إلى الإرادة المطلوبة والاستعداد للموت أثناء القتال، أو يفتقرون إلى القدرة على القتال بفعالية. ومن المرجح أن تعاني قوات المرتزقة من تجنب وقوع الضحايا وأن تثير غضب السكان المحليين بسبب تجاوزاتهم. علاوة على ذلك، فإن أي نجاح للمرتزقة في القتال البري يمكن أن يصبح نجاحا دعائيا لخصومهم.
  4. في السيناريوهات الشبيهة بليبيا التي تمتد فيها ساحة المعركة على طول خط ساحلي شاسع، يمكن لفرقاطات الدفاع الجوي أن توفر بسهولة نظام إنذار مبكر مرن ودفاعًا جويًا للمنطقة دون وجود خطر حقيقي على السفن.
  5. أظهرت الحرب من أجل طرابلس أن نتيجة النزاع يمكن أن تصبح حتمية بمجرد أن يكون رعاة أحد الأطراف مستعدين للتفكير في تصعيد يتجاوز الحدود التي يتقبلها خصومه، مع مراوغة المجتمع الدولي أو افتقاره للعزم على معاقبة التصعيد. وفي الحالة الليبية، على الرغم من نظرة البعض إلى الجيش الوطني الليبي ورعاته وهم مصر والإمارات وفرنسا وروسيا، باعتبارهم المعتدين في الصراع، إلا أنهم أظهروا لاحقًا وبوضوح عدم استعدادهم للتصعيد إلى أجل غير مسمى. وامتلكت تركيا القدرات العسكرية المطلوبة للانتصار ثم أصبحت مستعدة لتوظيفها نتيجة للحسابات الجيوسياسية التي دخلت مسرح الأحداث منذ أواخر عام 2019 وما بعد ذلك. وكل هذه الأعمال – من العدوان الأولي إلى التصعيد اللاحق – حدثت في نفس الوقت الذي ادعى فيه جميع الرعاة أنهم يحترمون ظاهريا حظر الأسلحة.
  6. إذا نأت إحدى الجهات المعنية العالمية الرئيسية، مثل الاتحاد الأوروبي ، بنفسها عن نزاع في جوارها – سواء لأسباب قانونية أو أخلاقية – فعليها فيما بعد أن تتعلم كيفية التعايش مع النتائج التي سيتمخض عنها هذا النزاع. وعلى الرغم من أن العديد من الدول الأوروبية كانت منخرطة جزئيًا على المستويين العسكري والدبلوماسي في الحرب الأهلية الليبية، ولا سيما فرنسا وإيطاليا واليونان، إلا أن الاتحاد الأوروبي كمؤسسة لم يجد طريقة متسقة أو فعالة لتركه بصمته والتأثير على الأزمة في ليبيا. في الواقع، ونظرًا للطبيعة العميقة لمصالح الاتحاد الأوروبي المعرضة للخطر والقرب من أوروبا، كان الاتحاد الأوروبي سلبيًا بشكل ملحوظ طوال الحرب من أجل طرابلس. ويواجه الاتحاد الأوروبي حاليا تحديا يتمثل في إيجاد طريقة لتخفيف الأثر السلبي للوجود التركي والروسي المستمر في ليبيا. وكل ما سبق يعني أنه ونتيجة الضعف الأولي في اتخاذ القرارات الحاسمة، فإن صانعي القرار في الاتحاد الأوروبي سيواجهون الآن خيارات أكثر صعوبة مفروضة عليهم.

 

باختصار، كانت الحرب من أجل طرابلس التي انتهت مؤخرًا هي الأولى من نوع جديد من الصراعات العسكرية. ومن المؤكد أن الطريقة التي نشرت بها تركيا الطائرات بدون طيار والقدرات المضادة للطائرات بشكل حاسم تستحق الدراسة ومن المحتمل تقليدها في ساحات الأحداث الأخرى. ومع ذلك، فإن دفاع الأتراك الناجح عن طرابلس لا يعني أبدًا أنهم قادرون على غزو معقل الجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا أو يريدون مواجهة رد الفعل السياسي العالمي الناجم عن ذلك، حتى لو استطاعوا ذلك. وعلى مدار الأشهر الماضية، ترك نظامKORAL  للحرب الإلكترونية وطائرات  TB2s وAnka-S والطائرات بدون طيار المصغرة بصماتهم على مستقبل ليبيا وأظهروا جوانب جديدة لكيفية استخدام القوة الجوية في الحروب غير الحكومية والخارجية في أواسط القرن الحالي. لقد آن الأوان بالنسبة للمجتمع الدولي، وخاصة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، للبدء في معالجة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الصراع في ليبيا، وخاصة النظام الاقتصادي المتهاوي والمهمل.

 

ترجمة: محمد صالح عياد

([email protected])

تمت الترجمة برعاية: جايسون باك

- Advertisement -

More articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -

Latest article